ابن قيم الجوزية

197

الروح

لها ، فهو يتحمل عن المأموم سهوه وقراءته وسترته لقراءة الإمام وسترته قراءة لمن خلفه وسترة له ، وهل الإحسان إلى المكلف بإهداء الثواب إليه إلا تأس بإحسان الرب تعالى واللّه يحب المحسنين . والخلق عباد اللّه ، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله ، وإذ كان سبحانه يحب من ينفع عياله بشربة ماء ومذقة لبن وكسرة خبز فكيف من ينفعهم في حال ضعفهم وفقرهم وانقطاع أعمالهم وحاجتهم إلى شيء يهدى إليهم وأحوج ما كانوا إليه ، فأحب الخلق إلى اللّه ما ينفع عياله في هذه الحال . ولهذا جاء أثر عن بعض السلف أنه من قال كل يوم سبعين مرة : رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات حصل له من الأجر بعدد كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ، ولا تستبعد هذا فإنه إذا استغفر لإخوانه فقد أحسن إليهم واللّه لا يضيع أجر المحسنين . فصل [ الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة ] وأما قولكم إنه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه . فهذه الشبهة تورد على صورتين : 1 - صورة تلازم يدعى فيها اللزوم بين الأمرين ، ثم يبين انتفاء اللازم فينتفي ملزومه ، وصورتها هكذا : لو نفعه عمل الغير عنه إسلامه وتوبته عنه لكن لا ينفعه ذلك فلا ينفعه عمل الغير . 2 - والصورة الثانية : أن يقال : لا ينتفع بإسلام الغير وتوبته عنه فلا ينتفع بصلاته وصيامه وقراءته عنه . ومعلوم أن هذا التلازم والإقران باطل قطعا . أما أولا : فلأنه قياس مصادم لما تظاهرت به النصوص واجتمعت عليه الأمة . أما ثانيا : فلأنه جمع بين ما فرق اللّه بينه ، فإن اللّه سبحانه فرق بين إسلام المرء عن غيره وبين صدقته وحجه وعتقه عنه ، فالقياس المسوى بينهما من جنس قياس الذين قاسوا الميتة على المذكى والربا على البيع .